عن ثنائية البدو والحضر والعلاقة المتشابكة بينهما ضمن نسيج المجتمع، فإن الدكتور سعد الصويان، الباحث في مجال الأنثروبولوجيا، يُرجع السبب إلى غلبة الثقافة النصية على الشفهية فيقول: «تغلب الثقافة الكتابية على الشفهية، يعني في نهاية المطاف انحسار البداوة وتراثها الشفهي أمام الزحف المدني المدجج بالتكنولوجيا والأيديولوجيا وأدوات الكتابة. تكاد البداوة تختفي من الوجود، وهي الآن تحتضر وتموت ببطء كما موت البعير، ومع ذلك فإننا لم نبدأ بعد بفهم العلاقة الإيكولوجية بينها وبين الحضر، والتي تقوم على التكامل والتعاون مثلما يشوبها التوتر والصراع» .
هذا ما يحاول الكتاب فعله، فهم العلاقة بين البدو والحضر؛ أهمية أن يكون للمرء أصل قبلي في نسيج المجتمع السعودي في هذا العصر الحديث، خاصة بين السكان الحضر، إذ يسلّط الضوء بشكل كبير على المنطقة الوسطى وعلى مشروع حمد الجاسر للأنساب على وجه الخصوص، وكيف انقلب هذا المشروع من محاولة لربط تاريخ المنطقة الوسطى بالتاريخ الإسلامي في محاولة لسد الفراغ الحاصل بينهما، إلى مسألة يمكنها إما أن ترفع أو أن تحط من مستقبل المرء الاجتماعي. وبسبب شحّ الوثائق المدوّنة كان الاعتماد بشكل كبير على الثقافة الشفهية. ولهذا شكّلت مراسلات حمد الجاسر مع الناس الهيكل الأساسي الذي بُني عليه الكتاب، والتي كشفت تفاصيل حميمة لأناس غرباء كانوا مستعدين لبسطها أمام الجاسر فقط كي يدرج اسم أسرتهم في مشروعه، معتمدين على المرجعية الشفهية، وطالبين من الجاسر تدوينها كي تتحوّل إلى نصية، وبالتالي تصبح مرجعًا موثوقًا في حد ذاته. يتساءل الكاتب عن سبب انشغال حضريين بترسيخ أصل قبلي لهم وادعائه، على الرغم من أنهم ترعرعوا هم وكل من عايشوا من أجدادهم في مجتمع زراعي وتجاري، ما الذي جعل تصنيفًا كهذا يصمد في عهد النفط والعصر الحديث؟ ليعزو إلى أن الأمر تشكّل وتبلور مع نشوء الدولة السعودية وقولبة الحكومة للنظم القبلية كي تندرج تحت سياسات المواطنة والتجنيس. وبذلك يجمع الخيوط السياسية والاجتماعية والتاريخية التي نُسجت منها الهوية السعودية بشكلها الذي نراه اليوم.
لم تكن ترجمة هذا الكتاب أمرًا سهلًا، فقد حاولت البحث عن كل المراجع العربية التي استقى منها المؤلف الاقتباسات كي تُنقل كما وردت في النص الأصلي تمامًا، وقد أشرت إلى الأمر في هامش المترجم في كل مرة أنجح فيها بنقل الاقتباس كما هو. من بين تلك المراجع كتب المؤلفات التاريخية لابن بشر وابن عيسى والحقيل وغيرهم، والرسائل الشخصية لمحمد بن عبد الوهاب، ومخطوطة ابن يحيى وغيرها كثير مما سيتعرف عليه القارئ في صفحات هذا الكتاب.
لم يكن تقصّي المقالات الصحافية بالسهولة الذي ظننت، كون المؤلف أوردها بتواريخ ميلادية، والتي أعتقد أنه حوّلها من التواريخ الهجرية من دون إيراد رقم العدد، ما صعّب المهمة على موظفي مراكز المعلومات في الصحف التي تواصلت معها، إلا أن كتاب «حمد الجاسر في الصحافة السعودية: كشف بما نشر له وعنه» الصادر عن مركز حمد الجاسر الثقافي سنة 2007 قد ساعدني كثيرًا في حل تلك الإشكالية.
كذلك أود الإشادة بقسم الوثائق والمحفوظات في معهد الإدارة العامة في الرياض، والذين تعاونوا معي في توفير كل الوثائق التي طلبتها منهم، على الرغم من عدم إيرادي تواريخ هجرية (التقويم الهجري هو التقويم الرسمي المعتمد في الخطابات والرسائل والتعاملات الحكومية في المملكة) وكون الأرقام التي أوردها المؤلف كمرجع مختلفة عن تلك التي اعتمدوها.
أشكر السيدة هند حمد الجاسر التي استضافتني في بيت العلّامة الكائن بحي الورود في الرياض، حيث مكتبة حمد الجاسر الشخصية، مكتبة العرب، والتي تشرفت بزيارتها مرتين للحصول على أغلب الرسائل التي ذكرها الكاتب هنا. إلا أنني لم أتمكّن من الحصول على جميع الرسائل التي أوردها كون بعضها لم يكن مصنفًا أو كان بتاريخ قديم جدًا لم توفّق السيدة هند إلى معرفة أين حُفظت.
لقد دوّنت ملاحظات لما خالفت فيه رأي المؤلف أو وجدت مصدرًا مغايرًا لما ذكره، محاولةً قدر الإمكان ألا يكون ما أورده تطفلًا على النص بقدر ما يكون عينًا مراقبة وموضحة لما يستعصي فهمه، كوني ابنة هذا المجتمع الذي يمحّصه المؤلف تحديدًا، إذ أنتمي إلى مجتمع حضري يدّعي أصلًا قبليًا عربيًا، كما يعود منشأ أسرتي إلى المنطقة الوسطى.
إن الغاية من ترجمة هذا الكتاب، سواء اتفقت معه أو اختلفت، جزئيًا أم كليًا، هي تسليط الضوء على النسيج الاجتماعي والأنثروبولوجي للمملكة العربية السعودية في دراسة حديثة من نوعها (صدر الكتاب سنة 2015)، وفتح المجال لمناقشة ما ورد فيه سواء بنقده أو تفنيده أو تأكيد أطروحاته من قبل من يعنيه الأمر من القرّاء المختصين وغير المختصين.