الطبعة الأولى 1946
يقول مؤلف هذا الكتاب المرحوم جورج أنطونيوس في مقدمته أنه (لا يرمي إلى تدوين التاريخ النهائي لليقظة العربية. . . بل إلى رسم الخطوط الكبرى لأصول تلك الحركة) هذه الحركة التي مهدت تربتها، وبذرت بذورها، ونبت نبتها، ونضج حبها، وتم حصدها في خلال نصف قرن، لا بأفاعيل طافرة، أو وثبات غير متزنات، بل بعزيمة جبارة، ومثابرة عنيدة، مستمدين من إرادة أمة موحدة لها في بطون التاريخ فصول كتابها أجداد عباقرة اسمعوا الدنيا نداءهم، ولقنوا العالم تعاليمهم، وما هؤلاء الأحفاد سوى جيل وبعض جيل من أبناء الشام أيقظتهم حركة الانقلاب العثماني عام 1908 فاستنهضتهم فنهضوا إلى العمل فعملوا دائبين ملبين غريزة الجد في طبيعتهم، وقد دفعوا كل ثمن وبذلوا كل ما يستطاع بذله، وجادوا بأقصى غايات الجود، ونالوا نصيب المجاهد المؤمن، وفازوا بتحقيق أمانيهم واستقلال بلادهم وحريتها ولم يكن ما قربوه من أرواح وأموال في سبيل الوطن بالثمن الفادح الباهظ
تكاد تكون سطور هذا الكتاب بأبوابها وفصولها ووقائعه بأحداثها وتقلباتها وعظاته بمغامرتها وأهوالها. أقول: تكاد تكون وقائعي (أنا) بالذات، وما أوفر عدد من يقول (أنا) في كتاب يقظة العرب، إذ ما من فتى في بلاد الشام سمع نداء الحرية يهدر كالسيل العرم متدفقا من حناجر الآباء للاستقلال والحرية إلا تيقظ روحه لهما وتلفح وعيه بجوهرهما، وسار على منوال أبيه في اتباع أعمال الرجال الرصناء لنيلهما، وقد ناليهما بفضل إخلاصه لوطنه وقوميته وفنائه في أمته.
مؤلف كتاب (يقظة العرب) عالم بحاثة بفطرته، لا يؤخذ بالظواهر فيعود إلى البواطن، ولا تجذبه الفروع في الشجرة، ولا الجذور المطمورة في التربة، بل يرضيه أن يفتش عن مصادر غذاء تلك الجذور وأنواعها ليعلم الدواعي الباعثة على تلك التغذية والغاية المرومة منها.
نعلم (كلنا) أبناء هذا الجيل أن العامل الأكبر في يقظتنا يعود كما قلت إلى عام 1908 وعندنا على هذا العلم شبه ادله استوحيناها من استقراء عقلية إبائنا ومن بلغ وعيهم القومي وإحساسهم بالوطنية العربية، ولكن المؤلف البحاثة قد عاد بنا إلى البذور الأولى، إلى الفواصل بين الدعوة إلى العروبة والدعوة إلى الإسلام والصلة الروحية بينهما، ثم إلى الفتح العثماني.
للحكم العثماني آثار واضحة المعالم في نفوس العرب، لم يكتف المؤلف بتقصيها في عهد السلطان عبد الحميد، وهي جامعة للأسباب الشاملة للنتائج التي قلبت الأوضاع العربية، من مطالبته بالإصلاح في ظل الحكم العثماني، إلى العمل سرا على الانفصال عن الترك، إلى العوامل التي دفعت بجماعة (الاتحاد والترقي) الذين خلعوا السلطان عبد الحميد الطاغية ليقيموا أنفسهم طغاة مثله، فكانت هي نفسها عوامل فعالة دفعت الأمة العربية إلى عمل إيجابي وهو بناء دولة عربية لحما ودما. أقول: لم يكتف المؤلف بهذا، بل عاد بنا القهقري إلى عهد محمد علي وفتح الشام على يده، وشروعه في تشييد مملكة عريقة، واختلاف ابنه إبراهيم معه في الرأي، لأن الأول كان في طبيعته خلاقا للممالك، بينما كان الثاني يعمل على الاحتفاظ بتلك الممالك، وإن الأول كان يرى أن العرب ليسوا أهلاً لحكم أنفسهم، بينما كان الثاني يعتقد عكس رأي أبيه، ولم ينس المؤلف موقف الإنجليز من محمد علي وصدهم إياه عن تأليف المملكة العربية، وقد خلص من هذا البيان المقتضب إلى ذكر تأليف جمعية أدبية في بيروت قبل مستهل هذا القرن، كان النصارى هم القائمين بها، فما لبثت أن دخلها المسلمون والدروز، ويقول إنها كانت البذرة الأولى لنهضة الفكر القومي ويسهب في وصف الإرساليات ونشرها المعارف، وتزاحم أقطابها وتنافسهم في تعليم أبناء البلاد علومهم، وكيف لم تكن تعاليمهم خيرا محضا، وكيف تولدت الطائفية عند أبناء البلاد من جراء هاتيك التعاليم المتضاربة والأسباب والغايات. يمضي المؤلف البارع في سبيله يتتبع سير الحوادث، وقد اطردت بانتظام حتى اتقدت نيران الحرب العالمية عام 1914 فيذكر مجيء الشريف عبد الله إلى مصر وتحدثه إلى كتشنر والعروض التي تقدمت للانتقاض على الحكم التركي ومخاوف الإنجليز من عواقب إعلان الترك للجهاد الديني وقيام هؤلاء فعلا بإعلانه، ونشر الراية المحمدية، ووقوف سورية على مفترق الطرق توازن بين الموقف إلى جانب الأتراك، وبين شد عضد الشريف حسين المتحفز للثورة.
يعرج المؤلف على ذكر العهود التي قطعتها بريطانيا العظمى للشريف حسين ورسائل مكماهون، فنرى الثورة العربية تعلن في مكة وتندلع نارها وتمتد حتى تدخل قواتها مدينة دمشق ويحتل رجالها البلاد السورية، ونقرأ في فصل الكتاب الثالث عهود الحلفاء المتناقضة ونرى مبلغ تكالبهم على اقتسام غنائم الدولة التركية وتنافسهم في اغتصاب البلاد العربية واتفاق سايكس بيكو ورسالة بلفور إلى الملك حسين ومفاوضات لويد جورج للصهيونيين ووعد بلفور لليهود، ثم التصريح البريطاني الفرنسي. ولعل أمتع ما في هذا الفصل خيانة بريطانيا للعهد ومؤتمر القاهرة وأعمال لورنس في سورية، ثم يأتي دور عقدة فلسطين، وحق العرب، وادعاء اليهود، وهي العقدة الباقية تنتظر الحل العادل.
وددت لو يتسع المجال فأقف برهة ليست بالقصيرة حيال بعض رسوم خطط هذا السفر الجليل أضم بعض حلقات مفقودة لهذه السلسلة المحكمة العقد، وازعم أن لو اتصل المرحوم جورج أنطونيوس مؤلف هذا الكتاب بالكثيرين ممن ألجأهم المرض، أو السن، أو الضرورات، إلى التخلف عن ركوب الجهاد، أو بالذين خلوا الطريق للمتقدمين الطامحين، أو النهازة المتفرصين، لكان استوفى أكثر بحوثه وشارف بها على الكمال
اضطلع بترجمة هذا السفر النفيس حضرة الأستاذ علي حيدر الركابي فحق له الشكر والثناء العاطر يسديه إليه كل عربي بعد إذ يسر لأبناء العربية مراجعة سجل حياتهم وقد سلكوا فيها مسالك بناة الملك.